أعادت تبادلات علنية غير معتادة إحياء التكهنات بشأن مستقبل العلاقات السعودية الإسرائيلية، إذ قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لقناة العربية إن التقارب مع المملكة لا يزال «حلمه»، مشيدًا بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فيما ظهر ضابط سعودي سابق رفيع المستوى في سلاح الجو على شاشة تلفزيون إسرائيلي.
ويرى الباحث في «هورن ريفيو» يونس يزيزيوا أن هذه التحركات، التي تزامنت مع تجدد هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية وتداعيات مرحلة ما بعد الحرب مع إيران، لا تشير بالضرورة إلى قرب التطبيع، بل تعكس استراتيجية الرياض الأوسع للحفاظ على نفوذها الإقليمي وتنويع شراكاتها الدبلوماسية، مع ربط أي اتفاق مع إسرائيل بإحراز تقدم حقيقي في القضية الفلسطينية.
وبحسب تقرير نشره موقع «هورن ريفيو»، تطورت العلاقات السعودية الإسرائيلية على مدار عقود من العداء المباشر الذي ترسخ عقب الصراع العربي الإسرائيلي عام 1948، إلى انخراط حذر تحكمه المصالح، قبل أن تعود إلى التوتر الدبلوماسي والعداء العلني بعد حرب غزة وتداعياتها الإقليمية. كما يشير التقرير إلى أن التنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي والشرق الأوسط الأوسع أصبح عاملًا إضافيًا يعقد فرص التقارب بين الجانبين.
القضية الفلسطينية ترسم حدود التطبيع
دعمت السعودية التحالفات العربية خلال حرب الأيام الستة عام 1967 وحرب أكتوبر عام 1973، كما أيدت «لاءات الخرطوم الثلاث»: لا سلام، ولا اعتراف، ولا تفاوض مع إسرائيل. وعكس ذلك تضامن المملكة مع الفلسطينيين، إلى جانب مكانتها بوصفها حاضنة لأقدس الأماكن في الإسلام، وهو ما شكل أحد الأسس الرئيسية للسياسة السعودية تجاه إسرائيل لعقود.
وفي عام 2002، طرح ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله مبادرة السلام العربية، التي تبنتها جامعة الدول العربية لاحقًا باعتبارها إطارًا شاملًا للسلام. واشترطت المبادرة إقامة علاقات طبيعية كاملة بين الدول العربية وإسرائيل مقابل انسحاب إسرائيل إلى حدود عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
ورسخت المبادرة مكانة السعودية باعتبارها لاعبًا رئيسيًا في الدبلوماسية العربية، لكنها وضعت أيضًا معيارًا صارمًا واجهت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة صعوبة في تلبيته. ولا تزال هذه المبادئ تؤثر في المواقف الرسمية السعودية، التي تربط أي تطبيع بإحراز تقدم ملموس نحو إقامة الدولة الفلسطينية، إلى جانب التطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وشكلت المخاوف المشتركة من إيران أحد العوامل التي دفعت السعودية وإسرائيل إلى تعزيز التعاون غير المعلن. فقد واجهت المملكة هجمات حوثية، من بينها الضربات التي استهدفت منشآت أرامكو عام 2019، إلى جانب هجمات أخرى في يوليو 2026، بينما واجهت إسرائيل البرنامج النووي الإيراني وبرامج الصواريخ والقوى الوكيلة لطهران، ومن بينها الحوثيون.
وعززت هذه التحديات المشتركة التنسيق الاستخباراتي والأمني الهادئ بين الطرفين، فيما سمحت السعودية في بعض الفترات بعبور طائرات إسرائيلية مجالها الجوي، وانخرط الجانبان في محادثات خلف الكواليس، في إشارات إلى تقارب غير معلن.
وخلال عامي 2019 و2020، أجرت السعودية وإسرائيل مباحثات غير رسمية بشأن تطبيع العلاقات. وأعاد توقيع اتفاقيات أبراهام بين إسرائيل والإمارات والبحرين في سبتمبر 2020 تشكيل المشهد الدبلوماسي الإقليمي، بعدما أرست الاتفاقيات سابقة لانخراط دول عربية في علاقات مع إسرائيل دون اشتراط التوصل أولًا إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية.
وبعد توقيع الاتفاقيات، تسارعت الاتصالات السعودية الإسرائيلية بدعم أمريكي مباشر، وبدأت تحظى باهتمام علني متزايد. ورأت الرياض أن التطبيع قد يساعد في تسريع أهداف «رؤية 2030»، من خلال الجمع بين رأس المال والطموح السعودي من جهة، والابتكار والتكنولوجيا والخبرة الأمنية الإسرائيلية من جهة أخرى، بدعم استراتيجي أمريكي.
وكانت السعودية تنظر أيضًا إلى اتفاق نووي مدني بوساطة أمريكية باعتباره إحدى أبرز المكاسب المحتملة مقابل التطبيع مع إسرائيل. لكن تقريرًا حديثًا لـ«وول ستريت جورنال» أشار إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وافقت على الاتفاق النووي دون اشتراط التطبيع.
وفي المقابل، كانت إسرائيل ستكسب من التطبيع مزيدًا من الشرعية والاندماج في المنطقة، بينما كان الطرفان يبحثان إمكانية تطوير منظومات مشتركة للدفاع الجوي والصاروخي. لكن التقارب السعودي الإيراني الذي رعته الصين عام 2023 أضاف بُعدًا جديدًا إلى الحسابات، إذ منح خفض التوتر مع طهران الرياض مساحة دبلوماسية أوسع، وأثر في الوقت نفسه على صورة الاصطفاف الوثيق مع إسرائيل بدعم أمريكي.
حرب غزة والملف الإيراني يغيران الحسابات
قبل اندلاع حرب غزة، اتبعت السعودية نهجًا تدريجيًا ومحسوبًا في التقارب مع إسرائيل. وبحلول سبتمبر 2023، بدا أن الطرفين يقتربان من اتفاق تطبيع تاريخي كان يمكن أن يعيد تشكيل الشرق الأوسط. لكن المسؤولين السعوديين شددوا على أن الرياض لن تكتفي باتباع الإمارات في اتفاقيات أبراهام، بل ستحدد مسارها الخاص باعتبارها القوة العربية الأكثر تأثيرًا في المنطقة.
وأكد ولي العهد السعودي خلال تلك المرحلة التزام المملكة بالقضية الفلسطينية وحل الدولتين، باعتبارهما شرطًا أساسيًا لأي اتفاق تطبيع. وجدد تأكيد ذلك خلال زيارته إلى البيت الأبيض ولقائه الرئيس ترامب، مشددًا على ضرورة إحراز تقدم حقيقي في الملف الفلسطيني قبل المضي قدمًا في أي اتفاق.
لكن حرب غزة قلبت الحسابات الإقليمية، وأوقفت الرياض محادثات التطبيع التي كانت تجري بوساطة أمريكية. وأجبرت حالة الغضب الشعبي تجاه الحرب السعودية على تبني موقف أكثر حذرًا، وفرض شروط أكثر صرامة على أي اتفاق مستقبلي.
كما أثرت المواجهة بين إسرائيل وإيران التي استمرت 12 يومًا عام 2025، والحرب الأوسع التي تصاعدت مطلع عام 2026، في توازن القوى الإقليمي وفرص التطبيع. وانتقدت السعودية العمليات العسكرية، مؤكدة أنها لم تُستشر بشأن الحملة، كما عارضت استخدام أراضيها لتنفيذ عمليات عسكرية.
ورغم أن الصراعات أضعفت القدرات الإيرانية، فإنها عرّضت الرياض لمخاطر امتداد الحرب إلى أراضيها، وأثارت تساؤلات بشأن ما إذا كان التقارب مع إسرائيل سيعزز أمن المملكة أم يزيد تعرضها للتهديدات.
وأظهرت الحرب في الوقت نفسه قدرة إيران على تحمل ضغوط عسكرية مكثفة مع الاحتفاظ بقدرتها على الرد، بما يؤكد استمرار دورها في تشكيل منظومة الأمن في الخليج. كما دفعت الهجمات الإيرانية الواسعة دول المنطقة إلى التشكيك في موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، وأثرت هذه التجربة في الافتراض السابق بأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يعزز أمن السعودية تلقائيًا.
وظلت الوساطة الأمريكية عنصرًا أساسيًا في مسار التطبيع، لكنها واجهت تحديات كبيرة. وخلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، بحثت واشنطن والرياض اتفاقًا واسعًا يجمع بين ضمانات أمنية للسعودية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل ومسار نحو إقامة دولة فلسطينية.
وأعاد عودة ترامب إلى البيت الأبيض إحياء جهود التطبيع، لكن بأسلوب أكثر ارتباطًا بالصراع مع إيران. وربط ترامب الحرب مع إيران بدفع دول عربية وإسلامية إلى الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، داعيًا دولًا من بينها السعودية وقطر إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل باعتباره جزءًا من اتفاق أوسع للسلام.
كما ربط ترامب المفاوضات لإنهاء الحرب مع إيران بإقامة الدول العربية علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، وقال إنه تحدث مع قادة السعودية والبحرين وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن بشأن التطبيع. لكن استئناف الحرب عقب مذكرة التفاهم كشف عن استمرار قضايا عالقة، ما زاد تعقيد مسار التطبيع.
ورأى السيناتور الأمريكي الراحل ليندسي جراهام أن تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل قد يشكل «الجائزة الكبرى» للحرب مع إيران. وكان جراهام يعمل على مبادرة دبلوماسية جديدة للتوسط في اتفاق تاريخي، معتقدًا أن الحرب خلقت فرصة أمام ترامب للقيام بهذا الدور.
البحر الأحمر والقرن الأفريقي ساحة جديدة للصراع
لم تقتصر العقبات أمام التطبيع على القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي، بل امتدت إلى التنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فقد أصبحت السعودية تنظر بصورة متزايدة إلى التقارب بين إسرائيل والإمارات باعتباره عاملًا يهدد دورها التقليدي في قيادة المنطقة.
وتجلت هذه المنافسة بوضوح في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، خصوصًا بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وهو ما أثار معارضة حادة من السعودية وعدد من الدول العربية. وأدانت الرياض الخطوة باعتبارها انتهاكًا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، وتحركت عبر منظمة التعاون الإسلامي لرفضها باعتبارها سابقة خطيرة.
وردت السعودية بتعزيز التعاون الدفاعي مع الصومال، وتوثيق التنسيق مع مصر وقطر، والانفتاح على باكستان، إلى جانب تحسين العلاقات مع تركيا، التي تحتفظ باستثمارات كبيرة في الصومال. وتهدف هذه التحركات إلى مواجهة النفوذ الإسرائيلي والإماراتي المتصور في المناطق البحرية الاستراتيجية، والحفاظ على نظام إقليمي في البحر الأحمر يتوافق مع المصالح السعودية.
وترى الرياض أن تحركات إسرائيل في المنطقة تندرج ضمن استراتيجية أوسع لتوسيع نفوذها، بما يمثل تحديًا للمكانة السعودية والاستقرار الإقليمي. وأدى ذلك إلى تكثيف بناء التحالفات الإقليمية ووضع السعودية وإسرائيل على طرفي نقيض في بعض الملفات.
وقد تتحول استراتيجية إسرائيل في البحر الأحمر إلى مصدر إضافي للتوتر، خصوصًا مع تداخلها مع مساعي السعودية لتحديد ملامح النظام الإقليمي والتأثير فيه.
وتشير المحصلة النهائية إلى أن تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فقد تداخل الالتزام السعودي التاريخي بالقضية الفلسطينية مع الشكوك الأمنية التي خلفتها الحروب الأخيرة، والطموحات الأمريكية للوساطة، والتنافس المتصاعد في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتفرض استراتيجية الرياض، ورغبتها في تأكيد دورها القيادي، وإصرارها على تحقيق تقدم ملموس في القضية الفلسطينية، سقفًا مرتفعًا أمام أي اتفاق محتمل. وبينما لا تزال «رؤية 2030» والمخاوف من إيران تشكل حوافز للتقارب، تظل قضايا أخرى عالقة، من بينها التنافس العربي، والشكوك بشأن الضمانات الأمنية الأمريكية، والتداعيات المستمرة للصراع مع إيران.
وبالتالي، لا يبدو التطبيع السعودي الإسرائيلي مسارًا قريبًا أو محسومًا، بل يظل رهينًا بإعادة ترتيب أوسع لموازين القوى في الشرق الأوسط. وسيحتاج أي تقدم مستقبلي إلى معالجة العلاقات الثنائية والقضية الفلسطينية، إلى جانب التنافس على النفوذ الإقليمي، خصوصًا في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وإذا طال أمد الحرب مع إيران، فقد تتعقد الحسابات أكثر، ما يؤجل فرص التطبيع ويجعل أي اتفاق محتمل جزءًا من صفقة إقليمية أكبر وأكثر تعقيدًا.
hornreview.org/2026/07/22/the-changing-calculus-of-saudi-israeli-normalization/

